مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

نظرة 

السوشيال ميديا... بين التأثير والتضليل

 

لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتواصل بين الأصدقاء أو لتبادل الصور والأخبار، بل أصبحت قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، وصناعة الاتجاهات، الاجتماعية. فما يُكتب أو يُنشر في دقائق قد يصل إلى ملايين الأشخاص، ويصبح حديث المجتمع، وربما يتصدر اهتمامات وسائل الإعلام التقليدية نفسها.

ولا يمكن إنكار أن هذه المنصات قدمت خدمات كبيرة للمجتمعات، فقد أتاحت حرية أكبر في التعبير عن الرأي، وساعدت في سرعة تداول المعلومات، ووفرت مساحة للمبادرات الإنسانية والثقافية، وكشفت العديد من القضايا التي ربما لم تكن لتجد طريقها إلى الرأي العام لولا انتشارها عبر منصات التواصل.

لكن الوجه الآخر لا يقل أهمية وخطورة. فمع غياب التدقيق لدى البعض، والسعي المحموم وراء المشاهدات والإعجابات، تحولت السوشيال ميديا إلى بيئة خصبة للشائعات، وتداول الأخبار غير الموثقة، واقتطاع مقاطع الفيديو من سياقها، وإعادة نشر معلومات قد تكون مضللة أو غير صحيحة، فتنتشر بسرعة تفوق سرعة الوصول إلى الحقيقة.

ولعل أخطر ما أفرزته هذه الظاهرة هو تراجع ثقافة التحقق. فكثيرون أصبحوا يكتفون بقراءة عنوان أو مشاهدة مقطع قصير، ثم يبنون مواقفهم ويصدرون أحكامهم، بل ويعيدون نشر المحتوى دون التأكد من مصدره أو دقته. وهكذا تتحول الشائعة إلى "حقيقة" في نظر البعض، ويصبح تصحيحها أكثر صعوبة بعد أن تكون قد تركت أثرها في عقول الناس.

إن التأثير الحقيقي للسوشيال ميديا لا يكمن فقط في سرعة انتشار المحتوى، بل في قدرتها على توجيه المشاعر وصناعة الانطباعات. فالتكرار، والعناوين المثيرة، والخوارزميات التي تعرض للمستخدم ما ينسجم مع اهتماماته، قد تجعل الإنسان يعيش داخل دائرة مغلقة، يرى فيها رأيًا واحدًا ويظنه الرأي السائد، بينما الواقع قد يكون مختلفًا تمامًا.

ومن هنا، فإن مسؤولية مواجهة التضليل لا تقع على المنصات الرقمية وحدها، بل تبدأ من المستخدم نفسه. فقبل أن نشارك خبرًا أو نعلق على قضية، علينا أن نسأل: ما مصدر هذه المعلومة؟ وهل تم التحقق منها؟ وهل يحقق نشرها مصلحة عامة أم يضيف مزيدًا من البلبلة؟

لقد أصبحت السوشيال ميديا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ومن غير الممكن الاستغناء عنها، لكن من الضروري أن نحسن استخدامها. فحرية التعبير قيمة عظيمة، لكنها لا تنفصل عن المسؤولية، والوعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل.

وفي النهاية، ستظل السوشيال ميديا سلاحًا ذا حدين؛ يمكن أن تكون منبرًا للمعرفة والتنوير، كما يمكن أن تتحول إلى أداة لنشر الشائعات وصناعة الفوضى. والفارق بين الحالتين لا تصنعه التكنولوجيا، بل يصنعه الإنسان، بوعيه، وأخلاقه، وقدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف.